يحيي بن حمزة العلوي اليمني
192
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لا بسه * ويلبس الثوب غير من قطعه ومن ذلك ما قاله الشريف المرتضى يذم الزمان وأهله : أسفّ بمن يطير إلى المعالي * وطار بمن يسفّ إلى الدنايا وكقول الآخر : إن الليالي للأنام مناهل * تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة * وطوالهنّ مع السّرور قصار « 1 » ومن هذا قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [ الروم : 19 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : جار الدار أحق بدار الجار ، ومن ذلك ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه من كتاب كتبه إلى عبد الله بن العباس أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا ، ولا بما فاتك منها ترحا ، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخر التوبة بطول أمل ، قال ابن عباس : ما انتفعت بكلام بعد كلام الله تعالى مثل هذا الكلام ، وأنا أقول أيضا ما قرع مسامعى مرة بعد مرة إلا وأحدث لي موعظة ، وأنشأ لي عن الغفلة يقظة ، وحكى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بخراسان وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها « هن عوادى يوسف وصواحبه » أنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا المطلع ، وقالا له ، ما لك تقول مالا تفهم فقال لم لا تفهما ما يقال ، فاستحسن منه هذا الجواب على الفور ، فهذا معكوس الألفاظ . الوجه الثاني أن يكون واقعا في الأحرف وهذا كقوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ [ يس : 40 ] فما هذا معكوسه ومستويه متماثلان كما ترى ، وليس مما نحن به ، وإنما الذي نريد ذكره هاهنا هو أن مستويه يفيد معنى ، ومعكوسه يفيد معنى آخر ، ومثاله ما قاله بعض الأذكياء من أهل الشعر : أهديت شيئا يقلّ لولا * أحدوثة الفال والتبرّك كرسي تفاءلت فيه لما * رأيت مقلوبه يسرّك
--> ( 1 ) البيتان في الإيضاح ص 311 ، وهما لعتاب بن ورقاء .